لم يعد الإنترنت في المغرب رفاهية أو وسيلة للترفيه فقط، بل تحوّل إلى شريان تمر عبره تفاصيل حياتنا اليومية: الدراسة، العمل، التجارة الإلكترونية، وحتى التواصل العائلي البسيط. ومع ذلك، يجد المواطن المغربي نفسه كل شهر أمام نفس المعادلة المزعجة: فاتورة مرتفعة، مقابل خدمة لا ترقى غالبا إلى مستوى الانتظار، بين انقطاعات متكررة، وسرعة تحميل تتقلص فجأة دون أي إنذار مسبق، وتغطية شبكية هشة في مناطق واسعة، خصوصا القروية منها. والمفارقة المؤلمة أن دولا أقل منا دخلا فرديا توفر لمواطنيها إنترنت أسرع وأرخص، بينما نحن ندفع أكثر مقابل أقل بكثير.
وحين نبحث عن المسؤول الأول عن هذا الوضع، لا يمكن تجاهل الدور المحوري للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، وهي الجهة المخوّل لها قانونا مراقبة جودة الخدمات، وضبط الأسعار، وضمان منافسة حقيقية بين المشغلين. فبدل أن تمارس رقابة صارمة تحمي المستهلك، يبدو أحيانا أن دورها يقترب من دور المتفرج، تاركة الشركات الكبرى تتقاسم السوق دون ضغط فعلي يدفعها لتحسين جودتها أو مراجعة تسعيرتها. غياب الشفافية في معايير القياس، وبطء التعامل مع شكاوى المواطنين، يجعلان كثيرين يتساءلون: هل الوكالة تراقب فعلا السوق، أم أن دورها أصبح شكليا لا أكثر؟
أمام هذا الواقع، يبقى السلاح الأنجع بيد المواطن هو الاحتجاج السلمي المنظَّم، وفي مقدمته فكرة المقاطعة الواعية. لسنا هنا نتحدث عن الفوضى أو الدعوة للتخريب، بل عن خطوة بسيطة وفعالة: أن يتفق عدد كبير من المستخدمين على تقليص استهلاكهم لخدمات مشغل معين خلال فترة محددة، أو الامتناع عن تجديد بعض الاشتراكات، مع حملة موحدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق الأعطاب اليومية بشكل شفاف ومنظم. هذا النوع من التحرك السلمي أثبت في سياقات مختلفة قدرته على لفت انتباه الشركات والجهات الرقابية، لأن لغة الأرقام والخسائر المحتملة غالبا ما تكون أكثر إقناعا من الشكاوى الفردية المتناثرة هنا وهناك.
في النهاية، لا أحد يطالب بالمستحيل، بل فقط بخدمة تليق بثمنها، وبمؤسسة رقابية تؤدي واجبها كاملا دون مجاملة لأي طرف. على المواطن المغربي أن يدرك أن صوته الجماعي، حين يُنظَّم بسلمية ووعي، قادر على إحداث تغيير حقيقي. والمطلوب اليوم واضح وبسيط: مراجعة جدية للأسعار بما يتناسب مع القدرة الشرائية، وتحسين فعلي لجودة الشبكة، ومساءلة حقيقية لكل من يقصّر في أداء دوره، وعلى رأسهم الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات.


0 تعليقات